مناحة للصديق
السجن بيت الوحدة، وأخو القبر من الرضاع، شماتة للحاسد، ومناحة للصديق،
يطوى العمر فيه طي السجل للكتب، تقف فيه عقارب الساعة فكأن اليوم شهر،
والشهر سنة، وكأن الشمس شدت بيد، بل في السجن يركد الخاطر ركود حائطي
السجن، وتذوب النفس، وتلين العريكة وتتقطع الآمال. في الحبس تذاق حياة
البرزخ، كل شيء قديم، لا جديد إلا وجه السجان إذا استلم نوبته، ولا أخبار
إلا رؤى المنام، ولا براهين إلا أماني وإن هم إلا ليظنون، يقول أحد
المسجونين:
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا إذا ما تحدثنا الحديث عن الرؤيا
السجن يستحث الشيب ويجلب الهرم، ويساوم على النفس في سوق الموت، السجين لا
حي فيدعى، ولا ميت فينعى، ولا مريض فيعاد، ولا صحيح فيزار. ولكن الحبس
أيضاً مدرسة للصبر، ومجلبة للأجر، وكتاتيب للتجارب، فيه تغزر الفكرة، وتدر
العبرة، وتقلم أظفار الشهوات، وتباد خضراء المعاصي.
في السجن تعرف
الحياة كما هي، وتنزل النفس منزلتها، فتجتث فيه شجرة الكبر، وتحرق فيه
أسمال الرياء، وتظهر فيه زهادة المال، وحقارة المنصب وتفاهة الجاه، وضآلة
الناس، الحبس كير يذهب خبث الحديد، وكي للروح بميسم القدرة يحرق غدد
الغرور، وفي الحبس تتسابق الدموع الصادقة لتروي خدود اللوعة، وأجفان
الانتظار، ولسان الحال يقول: ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء
الله.

التوقيع :